المصري للدراسات الاقتصادية: اليات تسعير الوقود والغاز في مصر تفتقر إلي الشفافية وعدم الانتظام في التطبيق
رصد تقرير صادر عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية وجود أوجه قصور في آلية تسعير الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية في مصر، معتبراً أن منظومة التسعير الحالية تعاني من غياب الشفافية وعدم الانتظام في التطبيق، وهو ما ينعكس سلباً على الاستثمار ويزيد من حالة عدم اليقين والضغوط التضخمية.
وأوضح تقرير عدسة اقتصادية الأسبوعي، أن تسعير الغاز الطبيعي في مصر يتم دون الإفصاح عن أسس أو معادلة واضحة للتسعير، حيث تُحدد الأسعار بموجب قرارات يصدرها رئيس مجلس الوزراء استناداً إلى توصيات اللجنة المكلفة بمتابعة الاتجاهات العالمية للأسعار والمستجدات الاقتصادية والاجتماعية كل ستة أشهر، وهو ما يجعل آلية التسعير تفتقر إلى الشفافية ولا تمكن المتعاملين من تكوين توقعات مستقرة.
وأشار التقرير إلى أن تسعير الغاز يتباين وفقاً للقطاع المستخدم، سواء لتوليد الكهرباء أو للاستهلاك الصناعي أو المنزلي أو لتموين السيارات، لافتاً إلى أن مصر لا تزال تتبع نمط تسعير لم يعد معمولاً به سوى في نحو 30% فقط من دول العالم، من خلال التسعير الذي تحكمه اعتبارات سياسية واجتماعية أو التسعير بالتكلفة فقط في أوقات وفرة الإنتاج في الفترة من 2014 وحتي 2018 وذلك النمط ظل سائدا في الدول النامية والأسيوية لفترة طويلة قبل تحرير أسواقها تدريجيا.
وفيما يتعلق بالمنتجات البترولية، أكد التقرير أنه رغم تطبيق آلية التسعير التلقائي منذ عام 2019، فإن الالتزام بها لا يتم بصورة منتظمة، حيث يتم تجميد الأسعار لفترات تتجاوز ثلاثة أشهر، وهو ما يحد من قدرة الآلية على استيعاب الصدمات السعرية ويقلل من قدرتها على عكس التغيرات في الأسعار العالمية، وبالتالي تفقد جوهرها.
وأضاف أن صيغة التسعير نفسها غير منشورة بشكل رسمي، الأمر الذي يقلل من الشفافية ويحد من قدرة المتعاملين على بناء توقعات مستقرة.
واعتبر التقرير أن غياب الشفافية في تسعير الغاز الطبيعي والالتزام غير المنتظم بآلية تسعير المنتجات البترولية يفاقمان من دوافع التحوط، ويدفعان إلى مزيد من الموجات التضخمية، فضلاً عن تأثيرهما السلبي على الاستثمار في قطاع الطاقة.
وفي مقارنة مع الممارسات الدولية، أوضح التقرير أن الاتجاه السائد عالمياً يعتمد على آليات تسعير تتسم بالشفافية، سواء من خلال قوى السوق أو من خلال معادلات سعرية واضحة يتم تحديثها بصورة دورية. وأشار إلى أن معظم دول أمريكا الشمالية وأوروبا، إلى جانب العديد من الدول النامية والناشئة مثل المغرب وتركيا والهند والبرازيل والفلبين، حررت أسواق المنتجات البترولية تدريجياً وفق جداول زمنية معلنة، بما وفر منظومة تسعير قابلة للتنبؤ.
وأضاف أن الدول التي تعتمد معادلات سعرية تقوم بمراجعتها بشكل منتظم، حيث تتم المراجعة أسبوعياً في دول مثل الصين وفيتنام، أو شهرياً في دول مثل جنوب أفريقيا والأردن وإندونيسيا، بما يضمن انتقال التغيرات في الأسعار العالمية إلى الأسواق المحلية بصورة تدريجية ومنظمة.
وأكد التقرير أن إصلاحات تسعير الطاقة في العديد من الدول ارتبطت بوجود استراتيجية وطنية متكاملة للطاقة، تحقق التوازن بين الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتقوم على مشاركة أصحاب المصلحة، مع تبني سياسات واضحة لتحفيز الاستثمار في الطاقة وكفاءة استخدامها ودعم شبكات الحماية الاجتماعية.
اما في مصر، فان عملية تحرير السوق جزئيا يتم بصورة مفاجئة، دون خطة إصلاح معلنة وواضحة، و يغلب عليها البعد المالي في ظل ضعف الربط بين سياسات التسعير وبقية الأولويات التنموية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
كما انها تأتي دون أسس علمية معروفة وعلى فترات متباعدة وبالتالي لم تسهم في خلق منظومة تسعير قابلة للتنبؤ ومحفزة للاستثمار، كما أشار التقرير إلي أن عدم شمولية إصلاح هيكل تسعير الطاقة يؤدي إلى خلق تشوهات ويعرقل أي عملية إصلاح جادة، فبينما تغطي آلية التسعير التلقائي بعض أنواع الوقود، يظل تسعير الكهرباء والغاز خاضعا لقرارات إدارية، مما يترتب عليه استمرار الفجوات بين السعر العادل والتكلفة الفعلية، وبالتالي تجدد الأعباء الواقعة على الموازنة العامة للدولة.
كما لفت إلي غياب استراتيجية متكاملة للطاقة في مصر؛ إذ يُدار قطاع الطاقة ويُخطط له من خلال عدة جهات، تشمل وزارة البترول والثروة المعدنية وهيئاتها، ووزارة الكهرباء والطاقة الجديدة والمتجددة وهيئاتها، ووزارة الصناعة وباقي الوزارات التي تمثل جانب الطلب، وهيئة تنظيم أنشطة الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى المستثمرين الأجانب في مجال الاستخراج، لذا تتعدد الاستراتيجيات المرتبطة بالطاقة، يترتب على ذلك انفصال التخطيط وإدارة جانب الطلب عن العرض وتفتت إدارة جانب العرض حيث يتم التخطيط لكل مصدر للطاقة بشكل منفصل، هذا بالإضافة إلي ضعف تمثيل أصحاب المصلحة في القرارات الحكومية وفي عملية الإصلاح وعدم الإفصاح عن كيف سيتم توجيه وفورات الدعم وسياسات التعامل مع القطاعات المتضررة بحيث يتحقق التوازن ما بين ضمان الحماية الاجتماعية ودفع تنافسية الشركات من مختلف الأنشطة الاقتصادية خلال عملية الإصلاح.
وانتهى التقرير إلى وجود فجوة واضحة بين آليات تسعير المنتجات البترولية والغاز الطبيعي في مصر ونظيراتها عالمياً، ترتب عليها غياب الشفافية في منظومة التسعير، بما أعاق تدفق الاستثمارات إلى قطاعي البترول والغاز الطبيعي، وأدى إلى تراجع معدلات نموهما خلال السنوات الأخيرة، كما زاد من الضغوط المالية على الموازنة العامة، في الوقت الذي يفاقم فيه غموض التسعير دوافع التحوط ويؤدي إلى مزيد من الموجات التضخمية وآثارها السلبية على جانبي الطلب والعرض.
ودعت الدراسة إلي ضرورة مواجهة نقاظ الضعف في منظومة التسعير من خلال وضع الية تتسم بالشفافية وقابلة للتنبؤ والالتزام بتحديث مكونات المعادلة السعرية والاعلان عن ضوابط واضح للتسعير والتعامل مع الية التسعير من خلال منظور شامل يغطي كافة مصادر الطاقة مع وضع استراتيجية متكاملة للطاقة تتغطي كافة المصادر بمشاركة أصحاب المصلحة ومراعاة تحليل التكلفة والعائد من الإصلاحات السعرية ووضع دراسة علمية لنسب خفض الدعم وآجاله وسيناريوهات التأثير علي القطاعات الاقتصادية المختلفة مع تبني منهج تدريجي ومنح فترات انتقالية تسمح بالتكييف مع الإصلاحات ومراعاة التوازن بين البعد المالي وباقي الابعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية





